Arabic - German - English

اراء النقاد والقراء دراسات فريق العمل حورات واحاديث ندوات
اراء النقاد والقراء دراسات فريق العمل حورات واحاديث ندوات

منافذ البيع

الآن

الطبعة الرابعة،  قريباً مع دار البلسم

"الطبعة الثالثة"

كاملةً لوزارة التربية والتعليم المصرية

ملك الأشياء

بقلم الأستاذ الدكتور عز الدين إسماعيل

الأستاذ بجامعة عين شمس ومقرر المؤتمر الدولي للنقد الأدبي

 

حين شرعت في قراءة هذه القصة وجدتني أرتد إلى الوراء بضع عشرات من السنين حين تذكرت المكتبة التي كانت تشغل حجرة فسيحة في الدور الأرضي من مدرسة حدائق القبة الابتدائية، التي كنت آنذاك تلميذا فيها. كان ضمن الكتب التي تشتمل عليها تلك المكتبة مجموعة من الروايات المثيرة كهذه القصة، والمكتوبة بلغة رصينة ولكنها مغرية مثلها، والمشتملة مثلها على مجموعة من الصور المرسومة المعبرة بخطوطها البسيطة والرقيقة.

كانت القصص التي تحرك عواطفنا وتستثير خيالاتنا هي تلك التي تصور لنا نماذج من البطولة المتمثلة أساسا في الشجاعة البدنية، خصوصا عندما تتحقق هذه الشجاعة لشخص يوحي مظهره بالضآلة والضعف. وكذلك الشأن مع كريم، بطل قصتنا؛ فمظهره لا يوحي بالقوة البدنية، بل كان - على النقيض -  يوحي لزملائه في المدرسة من الأولاد الأشداء الأشقياء بالعبث به والإساءة إليه. ومع ذلك فقد استعاض كريم عن القوة البدنية بقوة من نوع آخر، تعتمد على الذكاء وخفة الحركة. وقد مكنته هذه القوة المعنوية لا من تجنب أذى الآخرين فحسب، بل من رد الأذى إلى نحورهم، مصداقا لقوله تعالى:"ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله".

على أن العنصر البطولي في القصص القديمة لم يكن وحده الذي يخاطب وجدان الأولاد ويشبع رغباتهم، بل كان هناك كذلك عنصر آخر يتضافر مع هذا العنصر، ويضفي على سياق القصة نوعا من الغموض المثير للخيال، هو عنصر السحر. وهكذا كانت القصة تقف على أرض الواقع، وتحلق في الوقت نفسه بأجنحة السحر.

وقصة "ملك الأشياء" هي من القصص التي تحقق في بنائها ذلك التضافر بين هذين العنصرين؛ فمؤلفها الدكتور طارق عبد الباري ينسج تفصيلاتها من مفردات الحياة في إحدى المدارس الداخلية، حيث يفرض بعض الطلاب الفاشلين غالبا سيطرتهم على سائر الطلاب، معتمدين في هذا على قوتهم الجسمانية، ولكنه يعتمد في هذا النسيج كذلك على نوع من القوة شبه السحرية، التي يتسلح بها بطل قصته في نضاله ضد المجموعة الشريرة المسيطرة على طلاب المدرسة. وقد تمثلت هذه القوة في قدرة البطل على أن يسمع كلام الأشياء المادية، وأن يتحدث إليها فتفهم كلامه وتستجيب له.

لقد فرضت الظروف على كريم بطل القصة أن يخوض ذلك النضال لأنه كان حديث العهد بمجتمع تلك المدرسة، فأرادت مجموعة الأشرار أن تخضعه لإرادتها، كغيره من سائر الطلبة، مستخدمة في هذا قوتها البدنية. وقد أبت لكريم نفسه أن يخضع لهم، وأن يستسلم لمطالبهم، فكان عليه أن يصمد أمامهم، وأن يناجزهم.

وهكذا تبدأ سلسلة من المواجهات بين البطل وبعض رموز الشر في المدرسة، سرعان ما تتطور عندما تكشف الظروف كما تكشف الأشياء عن عناصر أخرى للشر والفساد في مجتمع المدرسة، تمتد إلى شخص وكيل المدرسة، بل إلى رجل الأعمال الثري صاحب المدرسة، الذي يتزعم ابنه في المدرسة عصابة الأطفال الشريرين.

وعلى مدى الأحداث التي شكلت القصة، والتي كان فيها عنصر الخير ممثلا في البطل كريم، يناضل ضد قوى الفساد والشر، ويؤازر كل دعوات الإصلاح، كانت الأشياء تتبادل الكلام مع البطل، وتستجيب لمطالبه، وتسانده في كل مواقفه، وتسعفه في الخروج من المآزق التي يجد نفسه فيها، وتحقق له الغلبة آخر الأمر. ذلك أن فساد العناصر البشرية في المدرسة كان قد انتهى بالأوضاع المادية للمدرسة إلى حالة من التدهور والتداعي تهدد المدرسة كلها (أي المؤسسة) بالانهيار؛ فما من شيء فيها إلا له معاناته وله شكواه. ترى هل تعكس أوضاع مجتمع المدرسة المحدود هذا أوضاع المجتمع الأكبر خارجها؟

كائنة ما كانت الإيحاءات الدلالية لعناصر هذا الصراع فإن المهم هو أن نهايته كانت في صالح قوى الخير. لكن المهم أيضا هو تلك المجموعة من القيم الإيجابية التي نجح المؤلف في بثها والترويج لها بين ثنايا سرده للأحداث بطريقة ناعمة وغير مباشرة.

ومع أنني كنت أفضل أن يكون عنوان هذه القصة هو "الفتى الذي يكلم الأشياء"، ليتلاءم هذا مع بساطة البطل وسماحة نفسه فضلا عن حبه للاندماج مع الناس ومع الطبيعة، فربما كان التغريب بجعله "ملكا" للأشياء مرضيا - من جانب آخر لخيالات الأولاد وطموحاتهم. وعلى كل فإنني لا أشك في أنهم سيجدون في هذه القصة قراءة أو سماعا ما ينشدون من متعة.

الذهاب إلى اراء النقاد و القراء