Arabic - German - English

اراء النقاد والقراء دراسات فريق العمل حورات واحاديث ندوات
اراء النقاد والقراء دراسات فريق العمل حورات واحاديث ندوات

منافذ البيع

الآن

الطبعة الرابعة،  قريباً مع دار البلسم

"الطبعة الثالثة"

كاملةً لوزارة التربية والتعليم المصرية

دراسة حول رواية "ملك الأشياء"

 

 

أ.د. محمد عباس

أستاذ الأدب الروسي والوكيل الأسبق بكلية الألسن

 

عند الحديث عن أدب الأطفال لابد أن نشير إلى أن هذا الفن الأدبي ينقسم إلى قسمين:

  • الكتابة عند الأطفال.
  • الكتابة للأطفال .

 فالكتابة عن الأطفال يهتم بها علماء النفس والاجتماع وهذا لا يدخل ضمن ما سوف نتحدث بصدده اليوم.

فمنذ القرن الثامن عشر – وعصر النهضة – قد ظهر الكثير من المؤلفات الأدبية، والتي لم تكتب خصيصا للأطفال، إلا أنها سرعان ما جذبت الصغار كما شدت انتباه الكبار، إذ جلبت ألبابهم وفتنت مشاعرهم وأيقظت أحاسيسهم.. فمن منا لا يتذكر أو تغيب عنه المؤلفات الأدبية التي أهدتها نخبة من الأدباء للمكتبة العالمية وتعد من ذخائرها مثل رواية
 "روبن صن كروزو لدانيال دوفو" و" أوليفر تويست" لتشارلز ديكنز، ثم توالت المؤلفات الأدبية الخاصة بالأطفال والنشء حتى بات أدب الأطفال أحد فروع الأدب العام واهتمت هذه المؤلفات بالجانب التربوي بالإضافة إلى أنها أولت اهتماما خاصا بالجانب الجمالي والفني وأصبح الطفل موضع اهتمام كثير من الأدباء الذين احتلوا مكانا مرموقا ليس فقط في أدبهم الوطنية، بل باتت مؤلفاتهم أيضا من ذخائر الأدب العالمي ومن هؤلاء الكتاب في الأدب الروسي: ليف تالستوى و أنطون تشييخن و أوشينكى ونوسوف وغيرهم .. وفى الأدب الألماني : الأخوة جريم، وجوفمان

و جا أوف وغيرهم ... وفى مصر : رفاعة الطهطاوي وأمير الشعراء أحمد شوقي و كامل الكيلانى الذي يعتبر من أبرز الأدباء الذين تخصصوا في الكتابة للأطفال .

والآن ننتقل إلى رواية "ملك الأشياء" للزميل الدكتور طارق عبد الباري الذي تأثر في كتابته لها بالآثار الأدبي

 "كألف ليلة وليلة "حيث تفوح منها عطر"علاء الدين والمصباح السحري" فإن كان علاء الدين قد كان يستخدم المصباح في تلبية طلباته، فإن كريم بطل الرواية يستخدم الهارمونيكا؛ ففي ص 44 عندما أخرج من جيبه الهارمونيكا الصغيرة ووضعها على شفتيه وبدأ عزفا جميلا عليها، بدأت بالتدريج أصوات وطقطقات وتكتكات فى المكان ... وأن المصباح المعلق فى أعلى السقف قد أضاء إضاءة خفيفة من تلقاء نفسه .. وكلنا نتذكر قصة "على بابا والأربعين حرامى". ففي رواية" ملك الأشياء" نجد كريم قد توجه نحو باب المبنى الأثري العريض ومر عليه برفق بيده وقال له"أنا كريم أريد أن أدخل من فضلك " فابتسم الباب الكبير وانفتح فى بطء". ص 42.

أما عن أبطال الرواية فقد وفق المؤلف فى اختيار أسماء أبطاله فالبطل الرئيسي يدعى كريم – فهو كريم الأخلاق، لا يبغى الشر للآخرين حتى إذا بدأت تساوره الرغبة فى الانتقام ممن يسعون إلى إيذائه، فإن طبيعته المسالمة رفضت هذا فنجده يصفح عن مرسى القرش وسيفعل ما فى وسعه ليساعده ص 170- كان متسامحا أيضا مع عوعا الشريرة التي مسكت بعصا الساحر وتحول التلاميذ إلى فئران والأنتقام من كريم ولكنه نادى على القار قائلا: "أرجوك كفى هذا، فإن انتقامك من عوعا الشريرة كفيل بقتلها، لقد عفوت عنها، فلا تقترب منها أكثر من هذا" ص 160 كان كريم متسامحا أيضا مع الساحر الشرير ص 164 وكان صديقه الأخر يدعى حليم فهو طالب يتصف بالحلْم والحكمة والأنام وضبط النفس، فعندما حاول الطلاب الأشرار الاعتداء على صديقه كريم طلب منه حليم قائلا: " أنصحك بان تتجنبهم تماماً " ص 22 " أرجوك لا تقل شيئا"، " أرجوك تعالى معي". ص 19.

وأمامنا زميله الثالث نبيل فهو طالب يتصف بنبل الأخلاق والوقوف إلى جانب كريم فى المواقف الحرجة فنراه لم يسمح لنفسه بأن يترك كريم الذهاب بمفرده ليلا للذهاب إلى المبنى الحجري القديم دون أن يُعلم كريم بذلك وعندما أحس به كريم الذي سأله عن سبب مجيئه ومعه حليم رد عليه نبيل قائلا: "لم يكن من الممكن أن نتركك تأتى إلى هنا فى هذا الوقت من الليل بمفردك". ص 110.

ومن عالم الأشرار فقد وفق المؤلف أيضا فى اختيار ألقابهم مثل : حسام القرش، فهو طالب ضخم سليط اللسان ولا يستطيع احد من المدرسين أن يتصدى له ص20+ ص 74.

وكذلك كان زميلاه:

 حامد البرج – طويل وضخم وشرس .

 ضياء الضبع – ضخم الجثة، عريض الكتفين، كبير الرأس- غليظ الشفاه.

 عوعا الشريرة – ذات الشفاه الغليظة والعيون المستديرة والتي كانت تنظر إلى كريم بنظرة حقد نارية.

عليش الحنش: وكيل المدرسة ص 32: "كان رجلا قصيرا نحيفا ..معقوف الأنف ..خفيف الشعر..كان دائما ينظر إلى الناس بخبث بعينيه الزرقاويتين.".

والآن ننتقل إلى أهم القضايا المعاصرة التى ناقشها المؤلف فى الرواية :

1-     النفور من ظاهرة الكبر: والنفور من جانب ״ الأثرياء الجدد״ الذين يسيطرون بما لديهم من سلطة وقوة ونفور على ما يريدون وعلى رأس هذة الفئة مرسى القرش،  ذلك المليونير الذي كان مقاولا لهذه المدرسة التى يسيطر على أغلبية المسئولين فى المدرسة أمثال ״عليش الحنش״ وكيل المدرسة . كان هذا المليونير يأمل فى فوز المدرسة بلقب ״أجمل مدرسة فى المحافظة״ لأن هذا سوف يكسبه المزيد من القوة والنفوذ ويفتح أمامه المجال نحو المزيد من الصفقات" ص 61.

2-     ظاهرة التجسس فى المدرسة: فنجد عليش الحنش يقول لذلك القرش: "أطمئن فإن لدى من بين الطلاب من يخبرني بكل خطوة من خطواته دقيقة بدقيقة" ويقصد هنا الطالب كريم ص 66.

3-     ظاهرة " الرشوة": فنجد مدير المدرسة رجلا شريفا يناضل بمفرده مع أحد المدرسين ( أ. محمود) من أجل الوقوف إلى جانب الحق ولكنه لم يستطع الصمود أمام معارضيه ( الحنش والقرش) فدبرا له مكيدة برشوة أحد أفراد  الأمن " فرج" الذي أتفق مع أحد اللصوص لسرقة أوراق هامة من خازنة مدير المدرسة الشريف (117- 118).

4-     لقد ألمح المؤلف أيضا إلى ظاهرة الإهمال التى تتسم بها مدارسنا والمصالح الحكومية :

       إذ يصف المبنى القديم هكذا " أكوام من الكراسي والسبورات والمناضد الدراسية والمكاتب وقطع الأثاث 

       كانت مختفية كلها من الظلام تائهة فى اتساع المكان وهى فى حالة يرثى لها من الإهمال والقذارة
"ص 45".

5-     ظاهرة البلطجة التى لم تنتشر فقط فى الشارع المصري، بل امتدت إلى دور العلم: ص14 ضرب كريم بحقيبة المدرسة من أحد الطلاب الذي تبدو عليه الشراسة وأيضا ص 18 عندما وقف كريم أمام منفذ توزيع الطعام فى قاعة طعام المدرسة وإذا بطالب طويل وتبدو على وجهه ملامح الشر والشراسة خارقا الدور، معتمدا على قوته الجسمانية وسلطة أبيه فى المدرسة.

6-     ظاهرة ظهور طبقة جديدة فى عصر الانفتاح ويمثلها " مرسى باشا القرش " والد الطالب حسام القرش

 – ذلك المليونير وأكبر الشركاء فى المدرسة صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فى المدرسة والمسيطر على الجميع وكان الجميع يهابونه ويعملون له ألف حساب ص 35 "فكان عندما يخترق باب الدخول يتوقف الجميع عن الكلام ويهبوّا واقفين ويطفئوا سجائرهم ليمدوّا إليه أيديهم مصافحين ... وكان فرد الأمن فى المدرسة يسير خلفه وهو يحمل حقيبة سوداء ويضعها بجانب الكرسي الذي جلس عليه ( الباشا) ويرفع يده كأنه يؤدى تحية عسكرية ويقول " أي أوامر أخرى يا مرسى باشا فيشير إليه الأخيرة بالانصراف بإشارة من يده".

7-     ظاهرة التسبب وعدم الالتزام: إذ نجد مرسى باشا يقول لوالدي حامد وضياء (ص36): "لا تقلقا على حامد وضياء – لقد هربا بالأمس من المدرسة.... وجاءا إلى أبنى حسام فى البيت وهما الآن معه فى العزبة للاستجمام وسوف يحضران معه للمدرسة فى غصون أيام، فهو كما تعلمون لا يجب أن يبدأ الدراسة فى الأسبوع الأول"

يبدو أن المؤلف قد تأثر بالأدب الألماني بقدر تأثره بالأدب العربي فعلى سبيل المثال ظهر فى الاتجاهات الأدبية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . بما يسمى مصطلح العبقري Das Genie ونلاحظ هذا واضحاً فى مؤلفات جوته وهيردر. وفى العصر الحديث نجد أن فى رواية العطر (Das Parfum) للكاتب باتريك سوسكنيد Batrik Suskind  أن بطلها عبقري فى حاسة الشم حيث يستطيع أن يتعرف على أي شيء وتمييز مكوناته من خلال رائحته. وفى رواية "أخو النوم" الذي كتبها روبرت شنيدر عام (1992) كان لدى بطلها قدرة فائقة على السمع، إذ كان يستطيع تمييز الأصوات المختلفة مثلما نجدها عند كريم – بطل الرواية "ملك الأشياء" للدكتور طارق عبد الباري الذي يستطيع التحدث مع الأشياء .

-         يشير المؤلف فى روايته إلى ضرورة العمل الجاد وخاصة العمل الجماعي على لسان بطله لطلاب المدرسة، فيقول فى ص 166: "أعتقد أن لدينا عملا يجب أن يُنْجِز... كل واحد منكم يأخذ جهة من المدرسة ويصطحب مجموعة من الطلاب ويقومون بإصلاح الأشياء ومنحها الحب الذي تفتقده... وأصبح الكل يعمل طوال الوقت بحماس شديد، حتى أهالي الطلاب تناوبوا العمل فيما بينهم.. كما تبرع بالعمل طاقمْ كبير من المهنيين، كل فى تخصصه : هذا للبناء، وذاك للطلاء والأخر للسباكة وغيرهم للكهرباء ليعيدوا للأشياء جمالها وبهجتها وقدرتها على العمل مرة أخرى.

-         يستنكر المؤلف نظام التعليم الجديد الذي يسمح بأن يُعيَّن ( مدير المدرسة أو مدير الجامعة) من قبل رجال الأعمال ( مجلس الأبناء) كما حدث ذلك من جانب المليونير مرسى القرش الذي وعد "عليش الحنش" كي يكون مديرا للمدرسة قائلا:" إذا فزنا فى هذا المهرجان بالجائزة الأولى فسوف أعينك مديرا للمدرسة ..ص67.

-         يؤكد المؤلف فى روايته  "ملك الأشياء" بمساواة المرأة والرجل فيقول فى ص 72: "وقسم كريم المدرسة إلى ثلاثة أقسام ووزع المسئولية على كل من نبيل وحليم وميسرة بالتساوي".... وأخيرا يمكن القول بأن الرواية قد انتهت بانتصار الخير على الشر بحكمة أراد بها المؤلف أن تكون نصب أعين كل من يسعى ويتعطش إلى شغل المناصب العليا على لسان كريم عندما بايعوه بأن يكون ملكا للأشياء فتقدم نحو الميكرفون فى حفل المدرسة شاكرا للحاضرين قائلا ص 167: " أريد أن أشكر الكرسي الملك وكل الأشياء على هذا اللقب الكبير الذي لا أستطيع قبوله لأنه أكبر منى بكثير. لقد قال لي جدي يوما: لا تحمل أشياء أكثر منك فتسقط بها... يكفيني أن أكون صديقا للأشياء ".

 

وفى الخاتمة نستطيع القول بأن الرواية ممتعة – تصور الصراع بين الخير والشر وقد أضاف المؤلف عنصر الفانتازيا الذي أضفى إليها بدوره سمة الواقعية .. إنها تمثل الماضي والحاضر والمستقبل: الماضي البعيد المتمثل فى الملك الفرعوني الشاب والمسلة الفرعونية، أما الحاضر فيتمثل فى رجال الأعمال الجدد الذين يلهثون وراء جمع المال دون النظر إلى المنفعة العامة، بل إلى المكاسب الشخصية ... أما المستقبل فيتمثل فى شخصية شباب المستقبل أمثال كريم ونبيل وحليم وميسرة الذين يشاركون فى إعادة البناء دون النظر إلى الصراعات الشخصية.