Arabic - German - English

اراء النقاد والقراء دراسات فريق العمل حورات واحاديث ندوات
اراء النقاد والقراء دراسات فريق العمل حورات واحاديث ندوات

منافذ البيع

 

 

الأهرام

ALAHRAM.gif


"ملك الأشياء
"
رواية عميقة للطفل

بهاء جاهين

 

 

هي رواية سياسية في شكل حدوتة للأطفال تتكلم عن حقوق الأشياء فيقرأها الطفل كما هي، لكن الراشد يفطن إلى ما تحت السطـــح فحقوق الأشياء –الكراسي،   الطاولات، الجدران السقوف، الأبواب، سبورة الفصل.. إلى آخره- ما هي إلا صيغة رمزية حواديتية لحقوقالإنسان. تلك هي رواية "ملك  الأشياء" لكاتب جديد هو طارق عبد الباري؛ وقد كتبها للطفل، ولكن يمكن للراشديــن تذوقها، حتى وإن كان لبعضهم عليها تحفظات، أو لي أنا بالتحديد.ولكن   قبل  أن أذكرها لابد أن أبسط للقارئ أبعاد الرواية الحدوتة.تحكي الرواية ببساطة أسرة، وبلغة لابد أن تمتع طفلاً تخطى بالكاد أعتاب المراهقة أو مضى فيها  شوطاً بعيداً، تحكي عن ولد اسمه كريم ألحقه والداه بالقسم الداخلي بمدرسة من مدارس النخبة الاقتصادية يملك أغلب أسهمها ملياردير ضخم اسمه "مرسي  القرش" ويتزعم تلاميذها بالإرهاب وبطش القوة ابنه حسام القرش والسبب في التحاق كريم بالمدرسة وجود القسم الداخلي بها، ذلك أن والديه اضطرا للسفر  للعمل بالخارج.وكريم ولد عادي، لكنه غير عادي، ولد بسيط، لكن لديه قدرة خارقة: فهو يكلم الأشياء ويسمعها، والأشياء تحبه كما يحبها، تحكي له عذابها من "عفرتة" التلاميذ، حيث يطعنون التخت بالبراجل، يتقافزون فوقها، ويركلون الباب، ويبصقون على السبورة.. وكريم لرقة قلبه يتعذب من أجلها. وباختزال تفاصيل كثيرة أقول إن الكرسي الملك زعيم الأشياء يطلب من كريم إبلاغ رسالة لإدارة المدرسة بأنه إذا لم يتم التعامل برفق مع الأشياء وترميمها وتحسين أحوالها في خلال ثلاثة أيام فسوف تسقط الشرفة الرئيسيـة للمدرسـة من تلقاء نفسها.. وتنفذ الأشياء تهديدها، فيتحول كريم إلى زعيم بين التلاميذ، بعد أن ثبت أنه ليس مجنوناً وأنه حقاً تكمله الأشياء.وتتوالى الأحداث في صراع بين جبهتين، الأولى تضم مرسي القرش مالك المدرسة، وتابعه الحنش وكيلها، وحسام القرش فتوة المدرسة وتابعه حامد الضبع وعوعا الشريرة زميلة كريم في الفصل وابنة أخت عليش الحنش، أما جبهة الخير فتضم كريم بالطبع وصديقاه "ويا وراه" حليم ونبيل وزميلته ميسرة وعبر صراعات بين النبل الذي تدعمه وتسانده الأشياء في حوادث كوميدية تشبه ما يحدث للقط الظالم في "توم وجيري" وبين القوة الغاشمة للتلاميذ الضخام الجثة موتى القلوب بزعامة القرش والمكر السيئ  والخبث الشرير الذي يحركه الحقد والطمع وتمثله عوعا الشريرة وخالها عليش الحنش عبر هذا الصراع المحتدم المتقلب بين النصر والهزيمة، والخيبة والأمل، تنتصر الأشياء في النهاية، وتنتزع حقها في أن تعامل بحب ورقة بعد أن أدبت الفتوات صغاراًَ وكباراً، وردت المكر في نحور أصحابه. تلك هي الحكاية باختصار شديد، وقد يكون مخلاً، وهو ظالم في كل الأحوال. ولكن كيف صاغ طارق عبد الباري رؤيته؟ كيف استطاع أن يكتب روايتين بنفس القلم وفي نفس السطور وذات المفردات؟ كيف استطاع أن يمرر رؤية سياسية في شكل حكاية مسلية للطفل؟.

(والحق أنها مسلية للكبير أيضاً، فهي من النوع الذي يستدرجك حتى تفاجأ أنك أدركت النهاية). الإجابة تكمن في أنه لم يظلم الطفل لحساب الكبار، ولا الخيال اللطيف وجو الحواديت الساحر لحساب السياسة. فهي حكاية تشد الطفل وتضحكه وتبهره، وتضيف إلى هذا للكبار عمقاً وتعليقاً على الحياة وهيلمان القوة المرهب والمرعب.وقد وضع في شخصية كريم بعض ملامح غاندي وهي ملامح لا يراها إلا الكبار، حيث كان دائماً –أي كريم- يخرج منتصراً من المعارك بينه وبين فتوات المدرسة بقدرته الفائقة على تجنب الضربات الهائلة بحركة سريعة من رأسه أو جسده فترتطم القبضة الضخمة بالحائط ويعوي صاحبها ألماً. وهو أمر يذكرنا بنظرية غاندي في الكفاح ضد المحتل القائمة على فكرة "المقاومة السلبية"، أما بالنسبة للطفل فهي بالتأكيد تذكره بحلقات الكارتون "توم وجيري" حيث يفلح الفأر الصغير دائماً بذكائه أن يفلت من براثن القط القوي الغبي. وربما كانت الرواية أكثر متعة للقارئ الراشد من الطفل، نظراً لأننا نرى البعدين معاً، بينما الطفل يرى السطح فقط. لكن هذا العمق وهذه الازدواجية هي أحياناً سلاح ذو حدين. فطورا تفننا الحدوتة، وحيناً يصير الغلاف الرمزي شفافاً أكثر من اللازم، فنرى في شخصية كريم بالذات أبعاداً وملامح تتخطى سنه بكثير، فنراه صاحب رسالة وناشطاً اجتماعياً دون أن يكون طفلاً بالقدر الكافي. وفي الرواية ملامح كوميدية كما ذكرت، لكن جدية المحتوى تظلم أحياناً متعة الطفل ومتعتنا، فتفلت من الكاتب فرص كثيرة لجعل هذه الرواية مثيرة لقهقهات الصغار والكبار دون أن يتعدى هذا على جدية رسالتها الخبيئة، والتي يعيبها أنها لم تكن خبيئة بالقدر الكافي وكانت جادة أكثر من اللازم.والرواية تمت ترجمتها إلى عدة لغات، وأشادت بها الصحف هناك خاصة في ألمانيا، وتحفظاتي هذه لا تنكر على الرواية أنها إنجاز كبير وقفزة عالية في عالم الكتابة للطفل، ذات بُعد جمالي وتشويقي لا ينكر، وتهرب للطفل القيم الاجتماعية والسياسية دون أن يدري فيشتريها وجدانه بغير مرارة الوعظ والتعاليم التي هي كفيلة بأن تفسد أي فن